فخر الدين الرازي

79

تفسير الرازي

البحث الأول : المقصود منه أن يقال للرسول : لا يعظم حزنك وأسفك بسبب كفرهم فإنا بعثناك منذراً ومبشراً فأما تحصيل الإيمان في قلوبهم فلا قدرة لك عليه . والغرض تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عنه . البحث الثاني : قال الليث : بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظاً من شدة وجده بالشيء . وقال الأخفش والفراء أصل البخع الجهد . يقال : بخعت لك نفسي أي جهدتها ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنها ذكرت عمر فقالت : بخع الأرض أي جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال الملوك . وقال الكسائي : بخعت الأرض بالزراعة إذا جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة وبخع الرجل نفسه إذا نهكها وعلى هذا معنى : * ( باخع نفسك ) * أي ناهكها وجاهدها حتى تهلكها ولكن أهل التأويل كلهم قالوا : قاتل نفسك ومهلكها والأصل ما ذكرناه ، هكذا قال الواحدي . البحث الثالث : قوله : * ( على آثارهم ) * أي من بعدهم يقال مات فلان على أثر فلان أي بعده وأصل هذا أن الإنسان إذا مات بقيت علاماته وآثاره بعد موته مدة ثم إنها تنمحي وتبطله بالكلية ، فإذا كان موته قريباً من موت الأول كان موته حاصلاً حال بقاء آثار الأول فصح أن يقال مات فلان على أثر فلان . البحث الرابع : قوله ؛ * ( إن لم يؤمنوا بهذا الحديث ) * المراد بالحديث القرآن . قال القاضي : وهذا يقتضي وصف القرآن بأنه حديث وذلك يدل على فساد قول من يقول : إنه قديم وجوابه أنه محمول على الألفاظ وهي حادثة . البحث الخامس : قوله : * ( أسفاً ) * الأسف المبالغة في الحزن وذكرنا الكلام فيه عند قوله : * ( غضبان أسفاً ) * في سورة الأعراف وعند قوله : * ( يا أسفاً على يوسف ) * وفي انتصابه وجوه . الأول : أنه نصب على المصدر ودل ما قبله من الكلام على أنه يأسف . الثاني : يجوز أن يكون مفعولاً له أي للأسف كقولك جئتك ابتغاء الخير . والثالث : قال الزجاج : * ( أسفاً ) * منصوب لأنه مصدر في موضع الحال . البحث السادس : الفاء في قوله : * ( فلعلك ) * جواب الشرط وهو قوله : * ( إن لم يؤمنوا ) * قدم عليه ومعناه التأخير . * ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الاَْرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ) * في الآية مسائل :